الخوف يحرم صحراء الجزائر من السياح

تمتلك الجزائر صحراء مختلفة، استهوت على مر العقود الماضية، سياحاً من شتى بقاع العالم، بفضل التكوينات البركانية المنحوتة بفعل الرياح، والواحات المنتشرة على أرجاء الصحراء، والسلاسل الجبلية ذات الطبيعة البركانية في "الهقار" حيث تتجلى عظمة الطاسيلي، الشاهد على الحضارة الراقية والمجسدة في الرسوم المنقوشة على صخور، ما زالت تروي للأجيال المتعاقبة حكايات شيقة وأنماط عيش متميزة للطوارق في تلك الأزمنة الضاربة في أعماق التاريخ.

ورغم مرور قرابة الشهر على بدء الموسم السياحي الصحراوي، يتشاءم الفاعلون في هذا القطاع وأصحاب الوكالات السياحية ويتوقعون سنة عجفاء، إثر الأوضاع الأمنية المشتعلة على الحدود الجنوبية والغربية، وتهديدات التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى عزوف السائح الجزائري عن زيارة مناطق الجنوب الكبير، التي بقيت حكراً في سنوات خلت على السياح الأجانب.


وجاءت التحذيرات الغربية الأخيرة من السفر إلى الجزائر بعد مقتل الرهينة الفرنسي، هرفي غوردال، على يد تنظيم "جند الخلافة" الموالي لتنظيم "داعش" في منطقة تيزي وزو شرقي الجزائر، هذا من دون إغفال أزمة غرداية التي وصل صداها إلى الرأي العام الدولي، ليضاف إلى متاعب السياحة الصحراوية في الجزائر عبء آخر إثر إعلان عدد من الدول، آخرها فرنسا وبلجيكا، وقبلها إيطاليا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، منطقة الجنوب الجزائرية منطقةً حمراء تشكل خطراً على حياة الأجانب الموجودين فيها.

ودخلت أعمال العنف الطائفي في غرداية (600 كم جنوب العاصمة الجزائر) شهرها الحادي عشر، مع تجدد المواجهات بين العرب من أتباع المذهب المالكي والأمازيغ من أتباع المذهب الإباضي.

ويسود حاليا، هدوء حذر في المحافظة، التي تشهد مواجهات طائفية متقطعة منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، خلفت، وفقاً لحصيلة رسمية، 18 قتيلاً وعشرات الجرحى، إلى جانب تخريب واسع لمنازل ومتاجر وإدارات حكومية.

وقال الخبير في السياحة الصحراوية بالجزائر، مولود أورزيق، إن السياحة في الصحراء الكبرى دخلت منذ 2009 نفقاً مظلماً، وبقيت على مدار السنوات الخمس الأخيرة تئنّ في الإنعاش، على وقع هزّات الحروب ببلدان الجوار، غير أن مقتل الفرنسي، هرفي غوردال، أحدث زلزالاً عنيفاً غير مسبوق، وجدت أمامه الوكالات السياحية نفسها تتخبّط في المجهول، وجميعها ينتظر الضوء الأخضر من السلطات المعنية، مع انطلاق موسم السياحة الصحراوية.

وأضاف أورزيق، وهو أيضاً صاحب وكالة تأجير الجمال والسيارات رباعية الدفع للسياح بتمنراست، أن مقتل الرهينة الفرنسي غوردال زاد الطين بلة، إذ وجدت الوكالات السياحية نفسها في حوار غير مسموع مع الحكومة، فلا يعلم أحد ما إذا كان من المسموح نقل السياح الأجانب إلى الصحراء الكبرى أو إلى الواحات، وما هي المسالك المسموح بها، ولماذا تفرض وزارة الخارجية حصاراً على منح التأشيرات للسياح الأجانب الراغبين في زيارة الجنوب الكبير، خاصة الصحراء الكبرى.

ولماذا قطع العشرات من السياح الأجانب من جنسيات أوروبية إجازاتهم في عدة مناطق في الجنوب، وقرروا العودة إلى بلدانهم، وقلص آخرون فترة بقائهم في الجنوب الجزائري، خاصة في الطاسيلي.

كما اتجه عشرات السياح الفرنسيين الذين كانوا قد برمجوا زيارة الجنوب الجزائري شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول، إلى مناطق أخرى أهمها المملكة المغربية، بعد ساعات قليلة من انتشار خبر خطف الرهينة الفرنسي.

وأوضح أورزيق أن موسم السياحة الصحراوية الذي يبدأ عادة من أكتوبر/تشرين الأول إلى أبريل/نيسان من كل عام، لم يعد كما كان، مُذكّراً بالمواسم السياحية في الفترة بين 2000 إلى 2009، عندما كانت كل وكالة سياحية تجلب وحدها ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف سائح في الموسم الواحد بإمكاناتها الخاصة وبعيدا عن مساعدات الدولة.

وأضاف أن "نصف هذه الوكالات توقفت عن النشاط وما استمر منها، لا يستطيع جلب أكثر من 400 سائح في الموسم كله (ستة أشهر كاملة)".

على الجهة المقابلة، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة الجزائرية لترقية وتطوير السياحة الصحراوية، إلا أن الواقع الميداني يؤكد وجود عجز فادح في مرافق الإيواء والتسلية بالجنوب الكبير وهو ما يعطّل عجلة تنمية هذا القطاع الحيوي عن الدوران إلى حين.

وذكرت نقابة الوكالات السياحية الخاصة، أخيراً، أن 60 وكالة سياحية أغلقت أبوابها في تمنراست وحدها، فضلاً عن أكثر من 30 وكالة توقفت عن النشاط في "جانت" بمدينة إليزي (2300 كم عن عاصمة البلاد، تبعد عن الحدود مع ليبيا 100 كم و200 كم عن النيجر).
وقال مصدر أمني من تمنراست، في تصريحات لـ "العربي الجديد"، إن السلطات اتخذت إجراءات أمنية مشددة في المحافظات السياحية الخمس في الجنوب (غرداية ووادي سوف وتمنراست وإليزي وأدرار)، بعد مقتل الرهينة الفرنسي.

وخصصت قيادة الدرك الوطني وحدات مواكبة للأفواج السياحية على مدار الساعة للسياح الأجانب، كما عززت وحدات الجيش تمركزها في محيط المحميات الطبيعية في الطاسيلي وناجر والأه فار، والقنادسة وبحيرة المنيعة وغرداية.


وعبر عاملون في قطاع السياحة في محافظة غرداية السياحية (600 كم جنوب العاصمة الجزائر) ومنطقة المنيعة (900 كم جنوب العاصمة) عن مخاوفهم من موسم سياحي كارثي هذا العام، بعد أن ألغت شركات سياحية غربية كبرى رحلات سياحية لمنطقة الطاسيلي والأه فار (أكبر محمية صحراوية في الجزائر) وذلك خلال أعياد رأس السنة التي تعود الأجانب قضاءها في الصحراء الجزائرية الشاسعة.

وتوقعت، منظمة السياحة الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة، مؤخرا، تراجع عدد السياح الأجانب إلى الجزائر خلال الموسم السياحي الصحراوي بسبب تخوفات من انتشار فيروس (إيبولا) بالرغم من أن الحكومة اتخذت كافة الإجراءات لحماية حدودها من دخول العدوى.
هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة توين 2017