دعوة إلى تفكيك الديمقراطية الغربية

كثيرون في الغرب، اليوم، عن موت الديمقراطية، أي الشك المنهجي في قيامها أصلاً على النحو المرتجى، أو المأمول منه في بلادهم، في ضوء التجارب السياسية التي قامت منذ عقود مديدة. فلقد تنمّطت هذه الديمقراطية في رأيهم، واستحالت لغواً أيديولوجياً استهلاكياً، أو شعاراً دعائياً استنفدته الأحزاب المتقابلة، جسراً أو مطية للوصول إلى السلطة، ولم تعمل، بالتالي، بمضمونه كـ"براديغم" حيوي حقيقي، يشكل البناء التحتي العريض لفكر سياسي، ينظم المعطى القيمي الحر، والمنزه، لتشارك الجماعات والأحزاب، أو التيارات السياسية المتصارعة، والاحتكام في تصارعها جوهرياً للشعب.
وكما يمتلئ الفكر شعوراً، ويمتلئ الشعور فكراً.. كذلك ينبغي للمفاهيم السياسية أن تمتلئ بترجمة آلياتها التنفيذية، كأكمل ما يكون عليه الاكتمال على الأرض.. ودائماً على قاعدة تجديد الدم في قلب معاني "النظرية" الديمقراطية، ومواكبتها الواعية لتحوّلات العالم.
باتت الديمقراطية السياسية في الغرب حالاً من مركزية تفكير، أو نهجاً له إيقاع ثنائي تردادي، ينحصر في حزبين سياسيين لا ثالث لهما، سواء في البلد الأعرق في الديمقراطيات الغربية: بريطانيا (حزبا المحافظين والعمال) أم في الولايات المتحدة: (الجمهوريون والديمقراطيون). والسؤال الذي يتدافع هنا: أما من تيارات سياسية بريطانية وأميركية ثالثة، يتاح لها أن تتطور لتفرض أطروحاتها السياسية المغايرة، وتحكم، بالتالي، في كل من لندن وواشنطن، بمعزل عن هذين الحزبين في البلدين؟
الجواب عن هذا السؤال هنا، إنما تقدمه الديمقراطية نفسها، إذا ما أتيح لها، فعلاً، أن تكون كما هي، في جوهرها المؤمل ترجمة أنساقه الحرة والشفافة على الأرض.
هناك "قطبة مخفية"، إذن، كما يقول المثل اللبناني، تُقاد فيها الأمور السياسية الثابتة والكبرى، ومن جهة واحدة ووحيدة، هي "الإستبلشمنت" في كل من بريطانيا والولايات المتحدة. وهذه "الإستبلشمنت"، هنا وهناك، هي التي تحكم باسم شعار واحد يدعى الديمقراطية، وإلى ما لا نهاية. ولا يراد لاستراتيجية هذه الجهة أن تستبدل نفسها بنظام ثالث ينشأ ديمقراطياً، وبآلية معترف بها، وتنتج عنها حقائق اجتماعية، واقعية، مختلفة وسامية، تضع حداً للمتشبثين في أماكنهم من الطرفين السياسيين، ومنذ عقود طويلة جداً.
ولا غرو، فتاريخ الفكر السياسي المعاصر والحديث، إنما ينبت متراكماً على الدفوعات العقلانية المتواصلة، خصوصاً من خلال المفكرين، وعلماء السياسة اليقظين، النابهين والمطوّرين لأنساقهم، وأنساق غيرهم السيو/ فكرية على السواء.
تولد الديمقراطية الحقيقية غير المتكلسة، وغير الشعارية، شكلاً سامياً للنظام. ولهذا السبب، مثلاً، تطورت مذاهب الديمقراطية والليبرالية في العصر الحديث.. وتاريخ الفكر السياسي الديمقراطي، وحتى حدود المائة عام الماضية، كان يؤشر لنا إلى أنه كان منصفاً، أو مطبوعاً كتاريخ، بارتقاء يتصاعد من داخل "براديغم" التعددية، ومن داخل كل حراك سياسي أساسي، أي بخلاف ما نحن عليه اليوم، حيث الديمقراطية باتت وعاء سياسياً، بلا محتوى تفعيلي.
لكن، في المقابل، وفي مفارقة كبرى هنا، كل التوجهات والإيديولوجيات والمحمولات السياسية، المتناقضة حتى أقصى التناقض، باتت لا تقصّر في مضاعفة المناداة بالديمقراطية، وجعلها حجر الزاوية في كل هندسة من هندسات حراكها السياسي العام. وإن أزمة تطبيقية جوهرية بهذا الثقل للمبدأ الديمقراطي، اليوم، باتت لا تشكل نقيصة حسّاسة في البنيان السياسي الغربي العام، واستطراداً العالمي، وإنما هي بداية نذر انهيار فعلي لهذا البنيان كله، وللقيم الأنوارية التي قام عليها، وصوّب مقاصده العالية تجاهها.
إننا في زمن نهاية الديمقراطية، فعلاً، أو على الأقل، عهد انتكاس أو تصدّع لجوهرها التاريخي السياسي. وهذا التدهور الساري بوتائر متسارعة، يلزم لإيقافه ثورات ديمقراطية شفافة، من قلب الديمقراطية المترهلة نفسها، تحاكم رموزها المخفقين (أفراداً كانوا أم تيارات أم أحزاباً سياسية) بيقظة متزايدة في استخدام المنهج والمفهوم الأنواري السياسي عينه الذي عرفناه في زمن مضى، وتلجأ إلى إقصائهم عن مواقعهم، إن لم نقل نبذهم من العمل السياسي برمته، باعتبارهم أساؤوا، وفي العمق، لأمانة المبادئ التي انبثقت كشمس على البشرية قاطبة ذات يوم. مقطع القول، أضحى مطلوباً جداً هذا التفكيك للديمقراطية الغربية، ووضعه أمام محكمة المساءلة والتأويل التاريخية، وذلك أيضاً.. وأيضاً لشطب كل سيول الواقعات والأفعال الكبيرة، أو الصغيرة، الطاغية اليوم، والتي لا تطمر حيوية الديمقراطية، باسم الديمقراطية فقط، وإنما تجعل منها، وهنا الأخطر، مبدأ مغلقاً، وإن كنا نثرثر حوله على نحو مفتوح، أكثر من أي مبدأ، أو اصطلاح سياسي آخر. علينا دائماً أن نتذكّر أن الديمقراطية السياسية لا تستطيع أن تبدأ، أو تستأنف عملها في مكان غير مؤهل فعلاً لثقافتها المتجددة.. وكفانا ابتعاداً وتجاهلاً لهذا "الجهاز" السياسي المفاهيمي الذي يمس حياتنا الإنسانية ومصيرها بالكامل. ليست هذه الإشارة النقدية، طبعاً، أكثر من محاولة في مضمار تجديد دم الديمقراطية في الغرب، وعلى قاعدة احترام المنجزات الكبرى والحيوية التي اضطلعت بها هذه الديمقراطية، حتى الآن، في الغرب المقصود عينه.. وهي، بالتأكيد، مهماز ينبغي ألا يتخذه معادو الديمقراطية في العالم الثالث (وخصوصاً منه عالمنا العربي – الإسلامي) تكأة خطابية دوغمائية، لأطروحاتهم الهزيلة والكهونتية اللاعقلانية الغابرة.
فوق هذا وذاك، ينبغي ألاّ نغفل الإشارة إلى أن مفكرين وفلاسفة غربيين عديدين كباراً كانوا قد نعوا الديمقراطية الغربية، في واقعها الحالي، ودعوا إلى "التخلص من سياق كذبتها الممجوجة على نفسها كنظرية، وعلى المجتمعات التي تعمل بين ظهرانيها"، على حدّ تعبير فيلسوف التسيير الذاتي، الفرنسي من أصل يوناني، كورنيليوس كاستورياديس، الذي دعا إلى "تحطيم هذا النموذج اللاديمقراطي باسم الديمقراطية، والذي بدأ يورّث مشكلاته، على نحو مرضي، إلى المجتمعات النامية، والتوّاقة إلى ممارسة ديمقراطية صحيحة، تورّث آليات عملها من داخل أنساقها الشعبية المنتظمة والقائمة على الإدارة الذاتية للمجتمعات". أما يورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، وأحد أعمدة "مدرسة فرنكفورت" المؤثرين، فقد قيل إنه بنى نظريته في "الديمقراطية التواصلية" على أنقاض الدولة الرأسمالية وإيديولوجيتها التكنوقراطية. وقد أصبحت معه النظرية السياسية حول الديمقراطية الغربية، (بمطابقاتها على الواقعين، الأوروبي والأميركي) مجرد ترديد للآثار النظرية، الخالية حتى من مدلولها اللفظي، الخالي بدوره من المضمون الحي.
وفي كتابه "الديمقراطية التشاورية"، يرى هابرماس أنه بالإمكان تأسيس ديمقراطية بديلة عن طريق التشاور.. التشاور العملي والفعلي لكل عضو في الجماعة السياسية المعنية، والمؤسسة إدارتها على العقلانية المتجاوزة في إطار مجتمع متحرر فعلاً من أية هيمنة، اللهم إلا هيمنة الحجة الأفضل. فالديمقراطية، في المحصلة، هي سؤال الوعي الفردي والجمعي على السواء. إنها في أعلى حراك إنتاجها السياسي المجدي، تسعى إلى أن تقيم في مبدأ نقد الذات، قبل نقد الآخر والحكم عليه، خصوصاً في هذا الزمن الذي بات فيه البشر يعيشون ما يمكن أن نسمّيه حقيقة الإمكان التوهّمي، والتتلمذ السطحي على ديمقراطية النمط.
هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة توين 2017